أحسنت أيَّما إحسان يا أستاذ وجدان، وأمتعتنا ببلاغتك وبيانك، وثاقب بصرك، وعمق رؤيتك، ووفائك الجم لأساتذتك وأشياخك؛ فجزاك الله، وجزى أخانا االفاضل صاحب القناة خيرًا، ورحم الله شيخنا العلامة أبا فهر المجاهد عن الإسلام والعربية بقلمه ولسانه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
هذا المقطع عبارة عن محاضرة قيّمة ومطولة للأستاذ وجدان العلي، يتحدث فيها عن "عبقرية العربية ومحمود محمد شاكر" (الملقب بشيخ العربية، المتوفى عام 1997م).
ويتلخص المقطع في إبراز الجوانب العبقرية لـ "أبي فهر" محمود محمد شاكر من خلال المحاور التالية:
النشأة والتحول التاريخي: نشأ في بيت علم وأصالة؛ فوالده كان وكيلاً للأزهر، وأخوه هو المحدث العلامة أحمد محمد شاكر [01:06]. والمفارقة العجيبة أن محمود شاكر كان يكره اللغة العربية في صغره ورسب في الابتدائية بسببها [01:42]، ولكن قدر الله أن يقع بين يديه "ديوان المتنبي" بشرح اليزيدي، فانفتح قلبه لسر البيان العربي وتعلّق به منذ العاشرة من عمره [02:20].
جوهر شخصيته (النموذج العربي الخالص): يركز المحاضر على أن ميزة محمود شاكر الكبرى ليست في كثرة محفوظه فحسب، بل في كونه عاش يمثل "العقل والنظر العربي الخالص"؛ فهو يقرأ الشعر والبيان ويفسرهما بنفس الروح والسنّة التي قالها بها أصحابها الأقدمون، بعيداً عن المفاهيم الدخيلة [03:38].
حادثة الجامعة والهجرة إلى الحجاز: بعد خلافه الشهير مع أستاذه طه حسين في الجامعة بسبب سرقة الأخير لمحاضرات أو مقالات حول "الشعر الجاهلي" ونسبتها لنفسه [04:01]، سقط مفهوم "الأستاذية والجامعة" عند شاكر، فترك الجامعة وهاجر إلى ديار الحجاز ليعيش في أرض آبائه وأجداده ليتشرّب روح اللسان العربي من منبعه [04:41].
منهجه الفذ في نقد الأدب وتفسير الشعر:
رفض العُجمة وعلم الكلام المحدث: كان يرفض محاكمة البيان العربي بالقواعد المنطقية والتحليلات الأرسطية اليونانية، معتبراً أن هذا أجنبي عن لسان العرب وسَمتهم [15:23]. وعاب على "الجاحظ" استطالته بذكائه العقلي وتقديمه لعلم الكلام في تفسير الشعر [16:49].
تجاوز المعاجم الجامدة: أكد محمود شاكر أن الشعر لا يُفسر بمجرد فتح المعاجم؛ لأن المعجم يعطي أصل معنى اللفظة، بينما الشاعر العبقري يوظف الكلمة في مجازات وسياقات أوسع لا يدركها إلا صاحب الذوق الرفيع وخبير بطبائع العرب وعاداتهم وبيئتهم ومواسمهم [29:18].
موقفه الصارم من الاستشراق والتبعية للغرب: كان بارعاً في اللغة الإنجليزية ويقرأ لشكسبير في لغته الأصلية، ومع ذلك رفض المناهج الغربية في قراءة التراث العربي [44:15]. كان يرى أن المستشرقين لا يفقهون سر العربية ولا يعيشون حضارتها، كما انتقد تأثر بعض الأدباء والمفكرين المسلمين (مثل زكي نجيب محمود وسيد قطب) بالمفاهيم الغربية أو الخروج عن جادة السلف عند الحديث عن التاريخ الإسلامي أو الصحابة [27:20]، مستشهداً بمبدأ أن الثقافة والدين وجهان لعملة واحدة [26:58].
إجلال العلم والتفاني غير المشروط: اتسم شاكر بإجلاله الشديد للعلم والعلماء [52:14]. وكان زاهداً في الشهرة والمناصب، سخياً بعلمه؛ حيث خرجت من بيته عشرات الرسائل والأبحاث الجامعية لطلابٍ نسبوا العلم لأنفسهم دون أن يطلب منهم ذكراً أو ثناءً [58:36]. كما برع في تفكيك منغلقات "تفسير الطبري" وإعادة تحقيق كتب التراث بقلب متوهج وعاطفة حية [40:21].
رضوان الله تعالى على شيخنا الفاضل الكريم الجليل محمود محمد شاكر ، كان علامة جهبدا عبقريا فذا ذكيا نابغة في اللغة العربية وفنونها ودروبها ومسالكها ، رحمة الله تعالى عليه وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والأنبياء والصالحين. حفظك الله أستاذنا الفاضل على هذه المحاضرة الشيقة الماتعة الغنية .